أبو نصر الفارابي
99
الجمع بين رأيي الحكيمين
وقد بيّن أرسطو في كتاب « البرهان » ان من فقد حسّا ما فقد فقد علما ما . فالمعارف انما تحصل في النفس بطريق الحس . ولما كانت المعارف انما حصلت في النفس عن غير قصد أولا فأولا « 159 » ، فلم يتذكر الانسان ، وقد حصل جزء جزء « 160 » منها . فلذلك قد يتوهم أكثر الناس انها لم تزل في النفس ، وانها تعلم طريقا غير الحس . فإذا حصلت من هذه التجارب في النفس ، صارت النفس عاقلة ، إذ العقل ليس هو شيئا غير التجارب . ومهما كانت هذه التجارب أكثر ، كانت النفس اتمّ عقلا . ثم إن الانسان ، مهما قصد معرفة شيء من الأشياء ، اشتاق إلى الوقوف على حال من أحوال ذلك الشيء ، وتكلّف الحاق ذلك الشيء في حالته « 161 » تلك بما تقدم معرفته « 162 » . وليس ذلك الا طلب ما هو موجود في نفسه من ذلك الشيء ، مثل انه متى اشتاق إلى معرفة شيء من الأشياء ، هل هو حيّ أم ليس بحي . وقد « 163 » تقدم فحصل في نفسه معنى الحي ومعنى غير الحي . فإنه يطلب بذهنه أو بحسه أو بهما جميعا « 164 » أحد المعنيين ، فإذا صادفه ، سكن عنده واطمأن به والتذّ بما زال عنه من اذى الحيرة والجهل . وهذا ما قاله أفلاطون : ان التعلم تذكر ، وان التفكر « 165 » هو تكلّف العلم ، والتذكر تكلف الذكر . والطالب مشتاق متكلّف ؛ فمهما « 166 » وجد مهمّا قصد معرفته دلائل وعلامات ومعاني ما كان في نفسه قديما ، فكأنه يتذكر عند ذلك ، كالناظر إلى جسم يشبه بعض اعراضه بعض اعراض « 167 » جسم آخر كان قد عرفه وغفل عنه ، فيتذكره بما ادركه من شبيهه . وليس للعقل فعل مخصّ « 168 » به دون الحس سوى ادراك جميع الأشياء والاضداد ، وتوهّم أحوال الموجودات على غير ما هي عليه . فان الحس يدرك من حال الموجود المجتمع مجتمعا ، ومن حال الموجود المتفرق متفرقا ، ومن حال الموجود القبيح قبيحا ، ومن حال الموجود الجميل جميلا ، وكذلك سائرها . واما العقل ، فإنه قد يدرك من حال كل موجود ما قد ادركه الحسّ ، وكذلك ضدّه ، فإنه يدرك من حال الموجود المجتمع مجتمعا ومتفرقا معا ، ومن حال الموجود المتفرق متفرقا ومجتمعا معا ، وكذلك سائر ما أشبهها .
--> ( 159 ) « ا » فأولا ؛ « ب » ولا . ( 160 ) « ا » جزء جزء ؛ « ب » حيز وحيز ( 161 ) « ا » جلالته ؛ « ب » جلالته ؛ « د » حالته . ( 162 ) « ا » معرفته ؛ « ب » تعريفه . ( 163 ) « ب » الكلام [ وقد تقدم . . . . . جميعا ] ناقص . ( 164 ) « ب » الكلام [ وقد تقدم . . . . . جميعا ] ناقص . ( 165 ) « ا » التفكر ؛ « ب » التذكر . ( 166 ) « ا » فمهما ؛ « ب » فيما . ( 167 ) « ب » ناقص [ بعض اعراض ] . ( 168 ) « ا » فعل فحص ؛ « ب » يخص .